شوقي ضيف

293

المدارس النحوية

يكتفون بذلك ، بل يسيرون في اتجاههم من كثرة التعليلات والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة ، وبذلك يتيحون لمنهج البغداديين ضروبا من الخصب والنماء . ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن الأعلم « 1 » الشنتمرى المتوفى سنة 476 للهجرة هو أول من نهج لنحاة الأندلس في قوة هذا الاتجاه ، فقد كان لا يكتفى في الأحكام النحوية بالعلل الأولى التي يدور عليها الحكم مثل أن كل مبتدأ مرفوع ، بل كان يطلب علة ثانية لمثل هذا الحكم يوضح بها لماذا رفع المبتدأ ولم ينصب ، يقول ابن مضاء : وكان الأعلم - رحمه اللّه - على بصره بالنحو مولعا بهذه العلل الثواني ، ويرى أنه إذا استنبط منها شيئا فقد ظفر بطائل » « 2 » . وكان ما يزال يختار لنفسه من آراء البصريين والكوفيين والبغداديين ، من ذلك اختياره رأى السيرافى البصري في أن « من » أتى مرادفة لربما إذا اتصلت بما ، وبذلك خرّجا عبارة سيبويه في الكتاب : « واعلم أنهم مما يحذفون كذا » « 3 » . ومن ذلك اختياره رأى الفرّاء إمام الكوفة في أن الفاء قد تزاد في الخبر إذا كان أمرا أو نهيا فقط مثل « زيد فكلّمه » و « زيد فلا تكلمه » « 4 » . وكان يخرّج ما ذهب إليه الكسائي من أن العرب تقول « فإذا هو إياها » في مثل العبارة « كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور فإذا هو هي » على أن إياها مفعول مطلق ، والأصل فإذا هو يلسع لسعتها ، ثم حذف الفعل كما تقول « ما زيد إلا شرب الإبل » ثم حذف المضاف « 5 » . وواضح ما في ذلك من تقدير بعيد . وكان بعض النحاة يذهب إلى أن رحمانا في مثل « تبارك رحمانا » تمييز ، وذهب الأعلم إلى أنه علم منصوب بإضمار أخص ، وصوّب رأيه ابن هشام « 6 » . وكان يذهب إلى أن الاستئناف مع الفاء العاطفة قد يكون على معنى السببية ، فينتفى الثاني لانتفاء الأول ، وبذلك خرّج قراءة السبعة : ( لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) فالفاء فاء الاستئناف والفعل وراءها منفى لا مثبت « 7 » . وكان سيبويه - وتبعه المبرد وابن السراج وهشام

--> ( 1 ) الصلة رقم 1391 ونفح الطيب ( طبعة أوروبا ) 2 / 471 ومعجم الأدباء 20 / 61 وابن خلكان 2 / 465 وبغية الوعاة ص 422 . ( 2 ) الرد على النحاة لابن مضاء ( طبع دار الفكر العربي ) ص 160 . ( 3 ) المغنى ص 357 . ( 4 ) المغنى ص 179 . ( 5 ) المغنى ص 96 . ( 6 ) المغنى ص 514 . ( 7 ) المغنى ص 534 .